الزركشي
312
البرهان
قلت : إنما سكت الأولون عنه لأن القصد من إنزال القرآن تعليم الحلال والحرام . وتعريف شرائع الاسلام وقواعد الإيمان ، ولم يقصد منه تعليم طرق الفصاحة ; وإنما جاءت لتكون معجزة ، وما قصد به الإعجاز لا سبيل إلى معرفة طريقه ، فلم يكن الخوض فيه مسوغا ; إذ البلاغة ليست مقصودة فيه أصلا ; لأنه موجود في الصحف الأولى ; لامع هذه البلاغة المعينة ; وإنما كان بليغا بحسب كمال المتكلم ; فلهذا لم يتكلم السلف في ذلك ، وكان معرفتهم بأساليب البلاغة مما لا يحتاج فيه إلى بيان ، بخلاف استنباط الأحكام ، فلهذا تكلموا في الثاني دون الأول . واعلم أن معرفة هذه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير ، المطلع على عجائب كلام الله ، وهي قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة ، ولو لم يحبب الفصاحة إلا قول الله تعالى : * ( الرحمن علم القرآن . خلق الانسان . علمه البيان ) * ، [ لكفى ] ، والمعلومات كثيرة ، ومنن الله تعالى جمة ، ولم يخصص الله من نعمه على العبد إلا تعليم البيان وقال تعالى : * ( هذا بيان للناس ) * ، وقال تعالى : * ( تبيانا لكل شئ ) * . ولحذف الواو في قوله تعالى : * ( علمه البيان ) * نكتة علمية ، فإنه جعل تعليم البيان في وزان خلقه ، وكالبدل من قوله : * ( خلق الانسان ) * لأنه حي ناطق ; وكأنه إلى نحوه أشار أهل المنطق بقولهم في حد الانسان : * ( حيوان ناطق . ولا شك أن هذه الصناعة تفيد قوة الإفهام على ما يريد الانسان ويراد منه ، ليتمكن بها من اتباع التصديق به ، وإذعان النفس له . * * * وينبغي الاعتناء بما يمكن إحصاؤه من المعاني التي تكلم فيها البليغ مثبتا ونافيا .